ماذا يحدث لحسابك على إنستغرام حين تتوقف عن التنفس؟ سؤال يبدو ساخراً، لكنه بات صناعة بمليارات الدولارات. شركات التقنية لم تكتفِ بإدارة حياتك، بل بدأت تدير ما بعدها. من منصات كتابة الوصايا بالذكاء الاصطناعي، إلى مواقع تحول رفاتك إلى ألماس رقمي، إلى روبوتات محادثة تحاكي صوتك مع أحفادك. الموت، كما نعرفه، يحتاج تحديثاً عاجلاً.
وصيتك لن تُكتب بقلم بعد اليوم
منصات مثل Tomorrow.io وEverplans وTrust & Will لم تعد تكتفي بأرشفة مستنداتك. تستخدم الآن نماذج لغوية ضخمة لصياغة وصايا قانونية بلغة بسيطة، ثم تحيلها لمحامٍ بشري للمراجعة. الفكرة: 67% من البالغين عالمياً لا يملكون وصية مكتوبة، وفق مسح Caring.com لعام 2024. الذكاء الاصطناعي يعدهم بإنجازها في 15 دقيقة.
لكن المشكلة أعمق من الصياغة. الوصية التقليدية توزع المال والعقار. ماذا عن حسابك على تويتر؟ مكتبة الأفلام في هاتفك؟ محفظة البيتكوين التي لا يعرف أحد كلمة مرورها؟ هنا يظهر جيل جديد من الأنظمة يسمى Digital Asset Management، يحفظ مفاتيحك الرقمية ويوزعها وفق شروطك.
حين يتحول جسدك إلى بيانات
في مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية، أُعلن مؤخراً عن أول موقع رسمي لنثر الرماد فوق waterways المحلية في منطقة دلتا. القرار يمنح العائلات خياراً ثالثاً بعد الدفن والحرق: نثر رمادك في مياه محددة قانونياً. لكن اللافت أن بعض الشركات الناشئة تدمج هذا الخيار مع تقنية التتبع الجغرافي.
تخيل: وصية رقمية تحدد إحداثيات دقيقة لنثر رمادك، وترسل إشعاراً لعائلتك عبر تطبيق، مع رابط فيديو مسجل بصوتك. شركات مثل Eterneva تحول الرماد إلى ألماس صناعي، وAnd Vinyly تضغطه في أسطوانة فينيل تحمل أغنيتك المفضلة. التقنية لا تحترم حرمة الموت، بل تعيد تعريفه.
الروبوت الذي يحاور أحفادك
هنا يصبح المشهد مقلقاً. منصات مثل HereAfter AI وStoryFile تتيح لك تسجيل ذاكرتك صوتياً ومرئياً، ثم بناء روبوت محادثة يحاكي أسلوبك. بعد رحيلك، يسأل حفيدك: “جدي، كيف قابلت جدتي؟” فيجيبه روبوت بصوتك. الشركات تسوق هذا كـ”إرث عاطفي”، والنقاد يسمونه “وهم الخلود”.
الأرقام تقول إن السوق يتوسع. تقرير Grand View Research يتوقع أن يبلغ سوق “التقنيات الجنائزية الرقمية” 18.7 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي 9.4%. المحرك الأساسي: جيل الألفية الذي يريد التحكم في كل شيء، حتى في الطريقة التي يُذكر بها.
العالم العربي: فجوة رقمية أم فرصة ذهبية؟
في الخليج، الوصية ليست مجرد مستند قانوني، بل حكم شرعي له ضوابط دقيقة. الذكاء الاصطناعي هنا لا يستطيع أن يفتي، لكنه يستطيع أن ينظم. منصات مثل وصية وإرثي بدأت تظهر في الإمارات والسعودية، تتيح تسجيل الأصول وتوزيعها وفق الشريعة، مع توثيق رقمي معتمد.
لكن الفجوة الحقيقية في الأصول الرقمية. كم من خليجي يملك محفظة عملات مشفرة بقيمة ملايين، ولا أحد من ورثته يعرف كلمة المرور؟ دراسة من Chainalysis تشير إلى أن 20% من عملات البيتكوين العالمية مفقودة بسبب وفاة أصحابها دون تسليم مفاتيحهم. في الخليج، حيث الاستثمار في الكريبتو يتصاعد، هذه قنبلة موقوتة.
الفرصة إذاً واضحة: منصة عربية تجمع بين الفقه الشرعي، والامتثال القانوني، والتشفير العسكري لحفظ المفاتيح. من يبنيها أولاً، يملك سوقاً بمليارات الدولارات. لكن العقبة ليست تقنية فقط، بل ثقافية. الحديث عن الموت في المجتمعات العربية يُؤجَّل، والذكاء الاصطناعي لا يستطيع كسر هذا التابو وحده.
حين تصبح خوارزمية وصيّك الشرعي
المشكلة الأخلاقية الكبرى: من يتحكم في الخوارزمية التي تقرر مصير إرثك الرقمي؟ إذا أخطأ النموذج اللغوي في تفسير وصيتك، من يحاسب؟ الشركات تضع إخلاء مسؤولية طويلاً، والمحامون يفركون أيديهم. في 2024، رفعت عائلة أمريكية دعوى قضائية ضد منصة ذكاء اصطناعي أرسلت إشعارات وفاة خاطئة لوالدهم، فخسر وظيفته.
الحل المقترح: Human-in-the-loop. الذكاء الاصطناعي يصيغ، والبشر يراجعون. لكن هذا يرفع التكلفة، ويقتل وعد “الوصية في 15 دقيقة”. المعادلة الصعبة: كيف نجعل الموت الرقمي رخيصاً وآمناً في آن؟
بياناتك بعد موتك: من يملكها فعلاً؟
عند التسجيل في أي منصة، أنت توافق على شروط خدمة تمنحها حق استخدام بياناتك. بعد موتك، هل تنتقل هذه الحقوق لورثتك أم تبقى ملكاً للشركة؟ القانون الأوروبي GDPR لا يعترف بحق الميت في الخصوصية، بينما ولاية كاليفورنيا تمنح الورثة حق الوصول. الفوضى التشريعية عالمية، والعالم العربي خارج النقاش تماماً.
الخلاصة: موتك مسؤوليتك الرقمية
الذكاء الاصطناعي لن يمنحك الخلود، لكنه سيمنحك إدارة أفضل لرحيلك. من كتابة الوصية، إلى توزيع الأصول الرقمية، إلى تصميم تجربة عزاء تفاعلية، السوق يتشكل الآن. من يتجاهل هذا التحول، سيترك ورثته يبحثون عن كلمة مرور محفظتك بين آلاف الرسائل.
الجرأة المطلوبة: على المؤسسات الدينية والقانونية في الخليج أن تتحرك قبل أن تفرض علينا شركات سيليكون فالي تعريفها الخاص للموت. السؤال للنقاش: لو استطعت تسجيل صوتك ليجيب روبوت عن أسئلة أحفادك بعد 50 عاماً، هل تفعلها؟ أم أن الصمت الأبدي أرحم؟

