لم يعد ChatGPT يكتفي بكتابة المقالات واقتراح الأفكار، بل أصبح الآن يخبرك كيف ستبدو مرتدياً تلك القميص الذي تتأمل شراءه منذ أسبوع. الميزة الجديدة تسمح لك باختيار صورة أو إعلان لقطعة ملابس داخل المحادثة، والضغط على زر «Try on»، ثم رفع صورة شخصية لترى نفسك بها قبل أن تدفع ريالاً واحداً.
الفكرة ليست جديدة تماماً، لكنها المرة الأولى التي تدخل فيها إلى أشهر روبوت محادثة في العالم. والسؤال الأهم: هل تغيّر هذه الخطوة طريقة تسوقنا فعلاً، أم أنها مجرد لمسة تجميلية؟
ماذا حدث بالضبط داخل المحادثة؟
الآلية بسيطة بشكل مخادع. تختار صورة قطعة الملابس من نتائج البحث أو من إعلان يظهر داخل الواجهة، تضغط زر التجربة، ترفع صورتك، وخلال ثوانٍ يظهر لك شكل افتراضي لجسمك مرتدياً القطعة.
لكن التفاصيل الصغيرة هي ما يستحق التوقف. في أحد الأمثلة التي نشرتها The Verge، قام النظام بتغيير لون شعر المستخدمة وتصفيفه دون أن يُطلب منه ذلك. هذا ليس خطأً برمجياً بالضرورة، بل مؤشر على أن النموذج يعيد تفسير صورتك بالكامل، لا أنه يركّب قطعة ملابس فوقها فقط.
لماذا يهم هذا التفصيل؟
لأن دقة النتيجة تعتمد على مدى فهم النموذج لجسمك وإضاءتك وزاويتك، وليس على جودة القطعة وحدها. أي خلل في أي من هذه العوامل ينتج صورة قد تبدو جميلة لكنها مضللة، وهنا يبدأ الفرق بين أداة تسويقية وأداة شراء حقيقية.
Google سبقت، لكن OpenAI تريد اللحاق بسرعة
قبل أكثر من عام، أطلقت Google ميزة تجربة ملابس افتراضية مشابهة إلى حد كبير، ضمن أدوات التسوق الخاصة بها. الفارق أن Google تملك محرك بحث يلتهم نية الشراء، بينما تملك OpenAI محادثة يلتهم فيها المستخدم وقته يومياً.
هذا يعني أن OpenAI لا تنافس Google على تقنية الرؤية الحاسوبية فقط، بل على نقطة البداية في رحلة التسوق. من يبدأ من محرك البحث يبحث عن منتج، ومن يبدأ من ChatGPT يبحث عن نصيحة. والميزة الجديدة تحوّل النصيحة إلى قرار شراء مباشر.
الأرقام تقول شيئاً آخر
سوق تجربة الملابس الافتراضية عالمياً يُقدَّر بمليارات الدولارات، وينمو بمعدل يتجاوز 20% سنوياً وفق تقارير قطاع التجزئة الرقمي. ومع ذلك، تظل نسبة المتسوقين الذين يستخدمون هذه الأدوات فعلياً أقل من 15% في معظم الأسواق المتقدمة، بسبب مشكلات الثقة والدقة.
لماذا يبدو التسوق الإلكتروني بحاجة ماسة لهذه الميزة؟
لأن أكبر سبب لتراجع المشتري عن إتمام الطلب هو «لن يناسبني المقاس». هذه الجملة وحدها تتسبب في نسب إرجاع تصل إلى 30% في بعض متاجر الأزياء الإلكترونية، وهي نسبة تكلف التجار شحنات عكسية وتخزيناً وخسائر مباشرة.
إذا نجحت التجربة الافتراضية في تقليص هذه النسبة ولو بمقدار الثلث، فسيكون الحديث عن توفير بمليارات الدولارات سنوياً، لا مجرد تحسين تجربة بصرية.
هل النتيجة موثوقة فعلاً؟
الاختبار الحقيقي ليس في جمال الصورة، بل في مطابقتها للواقع عند وصول الشحنة. وهذا يتطلب نماذج تفهم القماش والقصّة والانحناءات، لا مجرد تركيب صورة فوق صورة. OpenAI لم تكشف بعد عن دقة القياسات أو مصادر بيانات التدريب، وهذه فجوة تحتاج إجابة.
ماذا يعني هذا للسوق العربي والخليجي تحديداً؟
السوق العربي للأزياء الإلكترونية من أسرع الأسواق نمواً، والمنصات المحلية الكبرى تستثمر بكثافة في تقليل معدلات الإرجاع، لأن الشحن العكسي في المنطقة مكلف لوجستياً أكثر من أوروبا وأمريكا.
ميزة مثل هذه، إن دعمت العربية وقياسات الجسم المحلية، قد تكون سلاحاً تنافسياً حقيقياً للتجار العرب. لكن المشكلة أن النماذج الحالية مدربة غالباً على أجسام وأنماط أزياء غربية، ما قد يجعل النتائج أقل دقة لعميل خليجي يبحث عن عباءة أو ثوب بقَصّة محددة.
الفرصة الأكبر إذاً ليست في استخدام الأداة كما هي، بل في بناء طبقة محلية فوقها تفهم المقاسات الإقليمية وتفضيلات المستخدم العربي، وهنا تظهر فجوة سوقية لم يملأها أحد بعد.
الخلاصة: غرفة قياس أم فخ تسويقي؟
الميزة تبدو برّاقة، لكن قيمتها الحقيقية ستُقاس بعدد الطلبات التي لم تُرجَع، لا بعدد الصور التي أُعجبت المستخدمين. وحتى تثبت OpenAI أن نتائجها دقيقة بما يكفي لبناء ثقة، ستبقى المسألة أقرب إلى عرض بصري ممتع من أداة شراء موثوقة.
والسؤال الذي يستحق النقاش: هل تقبل أن تشتري ملابس بناءً على صورة رآها روبوت محادثة، أم أن المرآة الحقيقية ستبقى الخيار الوحيد الذي تثق به؟

