×

لماذا يهرب كاتب من وايومنغ من الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية؟

لماذا يهرب كاتب من وايومنغ من الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية؟

في مقاطعة يقطنها أقل من 500 شخص، بين جبال روكي المغطاة بالثلوج وصحراء الرياح القاسية، يجلس روائي أمريكي ليكتب عن شريف لا يتقدم في العمر. لكن المفاجأة ليست في قصته الخيالية، بل في قراره الحقيقي: الابتعاد عن الهواتف الذكية وإنستغرام، بل وعن الذكاء الاصطناعي نفسه. كريغ جونسون، مؤلف سلسلة Longmire الشهيرة، يعلنها صريحة: عالمي، قوانيني. وهو بهذا يطرح سؤالاً محرجاً على جيل كامل يعيش داخل الشاشات.

عشرون عاماً من الزمن الورقي

كريغ جونسون يكتب عن شريف وايومنغ منذ أكثر من عشرين عاماً، لكن بالكاد مرت خمس سنوات على شخصيته الخيالية والت دائم الشباب. هذه الفجوة الزمنية المتعمدة ليست خطأً في الحسابات، بل قرار إبداعي واعٍ. في زمن تتسارع فيه التحديثات التقنية كل ستة أشهر، يختار كاتب أن يجمّد الزمن في رواياته. الجيل الجديد من القراء قد لا يتذكر، لكن هناك عالماً كاملاً خارج تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهذا العالم هو ما يحاول جونسون الحفاظ عليه.

لماذا وايومنغ بالذات؟

وايومنغ ليست مجرد ولاية أمريكية، بل هي آخر معاقل العزلة الرقمية في بلد يضم وادي السيليكون. بكثافة سكانية هي الأدنى في الولايات المتحدة، تفتقر إلى الاختناق المروري وإشارات الواي فاي في مساحات شاسعة. هذا المشهد الطبيعي القاسي يفرض على السكان نمط حياة مختلفاً: إذا أردت التحدث مع جارك، عليك أن تركب حصانك وتقطع ميلين. جونسون يستفيد من هذه العزلة ليخلق مسافة نقدية بينه وبين التقنية التي يكتب عنها الآخرون بحماس.

الابتعاد عن المليارديرات ليس رفاهية

جونسون لا يهرب فقط من الشاشات، بل من الأشخاص الذين يقفون خلفها. في مقاله الأخير بصحيفة Spokane Spokesman-Review، يصف كيف يتجنب المليارديرات التقنيين الذين يحاولون إعادة تشكيل العالم وفق رؤيتهم الخوارزمية. هذا ليس موقفاً سياسياً، بل إعلان استقلال ثقافي. حين تصبح قراراتك اليومية — من التسوق إلى المواعدة — تحت سيطرة توصيات الذكاء الاصطناعي، فإن العزلة الاختيارية تصبح فعلاً ثورياً بامتياز.

ماذا يعني هذا للمستخدم العربي؟

في الخليج العربي، حيث معدلات اختراق الهواتف الذكية تتجاوز 95%، وحيث تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي تنتشر كالنار في الهشيم، تبدو تجربة جونسون وكأنها من كوكب آخر. لكن الأرقام تقول شيئاً مختلفاً: تشير دراسة صادرة عن جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية عام 2023 إلى أن 68% من مستخدمي التطبيقات الذكية في المنطقة يعانون من إجهاد رقمي مزمن. سوق التطبيقات الخليجية يشهد انفجاراً في أدوات الإنتاجية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، لكن المقابل هو تراجع في الانتباه البشري والإبداع الخالص. شركات ناشئة في دبي والرياض بدأت تقدم خدمات “التخلص من السموم الرقمية”، لكن الطلب لا يزال يفوق العرض بعشرات المرات.

ثلاث دروس من عزلة وايومنغ للعرب

أولاً: الإبداع الحقيقي يحتاج إلى فراغ ذهني، وليس إلى تغذية مستمرة بالبيانات. ثانياً: الهروب من المليارديرات التقنيين ليس حماقة، بل حماية للهوية الثقافية من الاستعمار الخوارزمي. ثالثاً: العزلة ليست رفاهية، بل قرار استراتيجي يمكن اتخاذه حتى داخل المدن الخليجية المزدحمة — بتحويل الهاتف إلى وضع الطيران لبضع ساعات يومياً. التجربة العربية في مقاومة الذكاء الاصطناعي لا تزال في مهدها، لكنها تكتسب زخماً بين الكتاب والفنانين الذين يخشون على أصالة إنتاجهم.

الفرق بين الهروب والاختيار

جونسون لم يغلق حسابه على تويتر لأنه يكره التكنولوجيا، بل لأنه يريد أن يختار متى وكيف يتفاعل معها. هذا الفرق دقيق لكنه جوهري: الهروب هو رد فعل، أما الاختيار فهو فعل إرادي. السوق العربي يحتاج إلى هذه الفلسفة: بدلاً من مقاطعة الذكاء الاصطناعي كلياً، يمكن تطوير علاقة صحية معه، حيث يكون الإنسان هو المتحكم وليس الخوارزمية.

الخلاصة: رأي تحريري جريء

كريغ جونسون ليس ضد التقدم، بل هو ضد التقدم الأعمى. في عالم يركض نحو الذكاء الاصطناعي بلا توقف، فإن من يتوقف لالتقاط أنفاسه لا يُصنف كمتخلف، بل كحكيم. السؤال الذي يطرحه مقاله ليس “هل الذكاء الاصطناعي جيد أم سيئ؟”، بل “هل ما زلت أنا من يقرر متى وأين أستخدمه؟”. بالنسبة للسوق العربي، الذي يتعرض لضغط هائل لتبني كل تقنية جديدة فور ظهورها، هذا السؤال هو الأكثر إلحاحاً الآن. فهل أنت مستعد لإطفاء هاتفك لمدة ساعة اليوم، وتريث قبل تحميل أحدث تطبيق ذكاء اصطناعي؟ أم أن الخوارزمية هي من تقرر عنك؟

شاهد المزيد