تخيل أن توقف محادثة ChatGPT الخاصة بك أو تعطل تطبيق مصرفي سعودي بسبب سفينة حربية تعترض كابل إنترنت تحت الماء في ممر مائي ضيق. هذا ليس سيناريو فيلم خيال علمي، بل تحذير رسمي من إيران الأسبوع الماضي، حين وصفت كابلات الألياف الضوئية في مضيق هرمز بأنها “نقطة ضعف رقمية” يمكن استهدافها. بينما يركز العالم على النفط الخام، تتحول المنطقة إلى ساحة اختبار لهشاشة العصر الرقمي.
لماذا كابل إنترنت أثقل من ناقلة نفط؟
يمر عبر مضيق هرمز حالياً 17 كابل ألياف ضوئية رئيسية، تحمل أكثر من 70% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا. هذه الكابلات ليست مجرد أسلاك عادية؛ كل كابل يكلف بين 150 إلى 500 مليون دولار لتمديده، ويحتاج إلى 3 سنوات من العمل. الفارق الجوهري: ناقلة نفط يمكن تفريغها في 24 ساعة، لكن إصلاح كابل مقطوع يستغرق أسابيع، وأحياناً أشهراً، خاصة إذا كان في مياه ضحلة مضطربة مثل مضيق هرمز.
البيانات لا تنتظر. كل ثانية انقطاع تكلف شركات التكنولوجيا الخليجية مليون دولار كمتوسط. شركتا أرامكو وأدنوك تستخدمان الذكاء الاصطناعي لإدارة الحقول النفطية، وهذه الأنظمة تعتمد على اتصال فوري بمراكز البيانات في سنغافورة وأوروبا. قطع الكابل يعني تعطيل التنبؤ الذكي لأسعار النفط وإغلاق أنظمة الحفر الآلي.
الاستثمارات الرقمية الخليجية: رهان على تدفق بيانات غير مضمون
الإمارات وحدها استثمرت 12 مليار دولار في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي خلال 2023. السعودية تخطط لضخ 20 مليار دولار في البنية التحتية الرقمية بحلول 2030. هذه الأرقام ليست مجرد أرقام، بل تعني أن مدناً ذكية مثل نيوم ومشاريع مثل “ذا لاين” ستعتمد بالكامل على اتصال فوري بالإنترنت. المشكلة: جميع هذه المشاريع تتصل بالعالم الخارجي عبر كابلات تمر عبر مضيق هرمز حصراً.
مراكز البيانات المحلية ليست حلاً كافياً
قد يعتقد البعض أن بناء مراكز بيانات محلية يحمي من هذه المخاطر. لكن الواقع أن 80% من حركة البيانات الخليجية تذهب إلى خوادم في أوروبا وأمريكا لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي. خوادم Gemini وChatGPT ليست في الرياض أو أبوظبي. حتى لو بنيت مراكز محلية ضخمة، تظل متصلة بالعالم عبر كابلات هرمز.
تحذير إيران: لعبة عض الأصابع الرقمية
تصريح إيران الأسبوع الماضي لم يكن مجرد كلام عابر. إنه إعلان أن البنية التحتية الرقمية أصبحت ورقة ضغط في المنطقة. الفارق بين تهديد ناقلات النفط وتهديد الكابلات هو الصعوبة الفنية. إغراق ناقلة نفط يحتاج صواريخ مضادة للسفن، لكن قطع كابل بحري يمكن تنفيذه بغواصة صغيرة أو حتى قارب صيد معدل. هناك 3 حوادث قطع كابلات غامضة في البحر الأحمر خلال 2022 لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها.
النقطة الأكثر خطورة: كابلات الإنترنت ليست محمية عسكرياً مثل ناقلات النفط. أساطيل بحرية تحرس ناقلات النفط، لكن لا توجد سفن حربية ترافق صيانة الكابلات. شركات الاتصالات الخاصة تملك الكابلات، والدول لا تملك القوانين أو القدرة العسكرية لحمايتها.
ماذا يعني هذا للسوق العربي والخليجي؟
الخليج يمر بتحول اقتصادي لا مثيل له. من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد رقمي. لكن هذا التحول بني على أساس هش. شركات الناشئة العربية في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية تعتمد على وصول مستقر إلى خوادم عالمية. أي انقطاع لمدة أسبوع يعني إفلاس شركات ناشئة. البنوك الخليجية تستخدم أنظمة دفع ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي، وهذه الأنظمة تتصل بمراكز بيانات رئيسية في لندن ونيويورك.
الفرصة المتاحة: استثمار الخليج في كابلات بديلة عبر البحر الأحمر أو أفريقيا. مشروع كابل “2Africa” الذي يحيط بأفريقيا بالكامل يمكن أن يكون بديلاً، لكنه لا يزال قيد الإنشاء. الأهم من ذلك، يجب على الدول العربية بناء مراكز بيانات رئيسية داخل المنطقة تشغل التطبيقات الحساسة محلياً بدلاً من الاعتماد على خوادم خارجية.
التكلفة: بناء مركز بيانات محلي ضخم يكلف 5 مليارات دولار، لكن تكلفة انقطاع الإنترنت ليوم واحد في الإمارات تقدر بـ 200 مليون دولار. الحساب الرياضي واضح.
الخلاصة: رقمنة بلا حماية انتحار اقتصادي
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من دون تأمين البنية التحتية للإنترنت هو كبناء ناطحة سحاب على أساس من رمال متحركة. تحذير إيران ليس تهديداً بقدر ما هو تذكير بأن العصر الرقمي يحتاج إلى حماية مادية لا تقل عن حماية النفط. السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستتحرك الدول العربية لبناء كابلات بديلة ومراكز بيانات محلية قبل أن تتحول كابلات هرمز إلى ورقة ضغط رقمية؟ أم أننا سننتظر حتى ينقطع أول كابل لنبدأ في البحث عن حلول؟ التاريخ يعلمنا أن أسعار التأمين ترتفع بعد الكارثة، وليس قبلها.

