تخيل أن تكون مسؤولاً عن التكنولوجيا في واحدة من أكبر المؤسسات المالية في العالم، ومع ذلك تعلن صراحة أنك لا تتابع معدلات استخدام الذكاء الاصطناعي بين موظفيك. هذا بالضبط ما فعله ماركو أرجنتي، رئيس التكنولوجيا في بنك غولدمان ساكس، في تصريح هزّ أوساط وادي السيليكون والمؤسسات المالية على حد سواء. فبينما تتسابق الشركات لفرض سياسات صارمة لمراقبة استخدام أدوات مثل ChatGPT، يختار أرجنتي مساراً مختلفاً تماماً: يقيس سرعة تحويل الأفكار إلى منتجات، وليس عدد مرات الضغط على زر ‘إنشاء’. فهل هذا هو مستقبل قياس الإنتاجية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
مقاييس الإنتاجية الجديدة: السرعة قبل الحجم
في مقابلة مع مجلة Fortune، كشف أرجنتي عن فلسفته التي قد تبدو ثورية في عالم تهيمن عليه لوحات التحكم والإحصائيات. بدلاً من تثبيت أدوات مراقبة لتتبع عدد الاستعلامات التي يوجهها كل موظف لروبوتات الدردشة، يركز فريقه على مؤشر أداء واحد: الوقت المنقضي من لحظة طرح فكرة حتى تنفيذها. هذا التحول يعكس إدراكاً عميقاً بأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة للاستهلاك، بل محفز لتسريع دورة الابتكار بأكملها.
لماذا لا يعمل تتبع الاستخدام الفردي؟
يقول أرجنتي إن مراقبة عدد المرات التي يستخدم فيها الموظفون الذكاء الاصطناعي تشبه قياس إنتاجية عامل مصنع بعدد المرات التي يلمس فيها أدواته. الأهم هو المخرجات النهائية، وليس الوسيط. في شركة مثل غولدمان ساكس، حيث يتم التعامل مع بيانات حساسة ومعاملات بمليارات الدولارات، يكون التركيز على النتائج أكثر أماناً وفعالية من التطفل على سير العمل اليومي. هذا النهج يقلل أيضاً من مخاطر ‘التلاعب بالمقاييس’ حيث قد يستخدم الموظفون الأدوات بشكل مصطنع لتحسين إحصائياتهم دون إنتاج قيمة حقيقية.
ChatGPT الداخلي: نموذج غولدمان الخاص
لم يكتفِ البنك بتبني سياسة عدم التتبع، بل قام ببناء نسخته الخاصة من ChatGPT. هذا النموذج الداخلي، المبني على بنية تحتية آمنة ومخصصة، يسمح للموظفين باستخدام الذكاء الاصطناعي دون القلق بشأن تسرب البيانات أو انتهاك الخصوصية. مايكروسوفت، الشريك التكنولوجي للبنك، تزود غولدمان ساكس بأدوات Azure AI، لكن البنك أضاف طبقات إضافية من التخصيص والتحكم لتتناسب مع متطلباته الصارمة. النتيجة؟ بيئة عمل يمكن للموظفين فيها التجربة والإبداع دون حواجز تنظيمية.
التدريب المخصص: استثمار في الفهم وليس الامتثال
بدلاً من إصدار تعليمات صارمة حول ما يمكن وما لا يمكن فعله، يركز غولدمان ساكس على تدريب موظفيه على فهم نقاط القوة والضعف في نماذج الذكاء الاصطناعي. هذا النهج التثقيفي يخلق ثقافة من المسؤولية المشتركة، حيث يعرف كل موظف متى يعتمد على الذكاء الاصطناعي ومتى يفضل التدخل البشري. النتائج الأولية مشجعة: تقارير داخلية تشير إلى تقليص وقت تطوير بعض النماذج المالية من أسابيع إلى أيام.
ماذا يعني هذا للشركات العربية والخليجية؟
هذا النموذج يحمل دروساً قيّمة للقطاعين المالي والتكنولوجي في العالم العربي. في دول الخليج، حيث تستثمر الحكومات والصناديق السيادية مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي، غالباً ما يقع التركيز على شراء أحدث الأدوات وليس على تغيير ثقافة العمل. النهج الذي يتبعه غولدمان ساكس يدعو المؤسسات العربية إلى إعادة التفكير في مقاييس النجاح: هل الأهم هو عدد الروبوتات التي نشرتها، أم سرعة تحويل الأفكار إلى حلول تخدم العملاء؟
على سبيل المثال، بنك مثل ‘الرياض’ أو ‘أبوظبي الأول’ يمكنه بناء نماذج داخلية خاصة به بدلاً من الاعتماد على أدوات عامة قد لا تلتزم بمعايير الخصوصية المحلية. الأهم من ذلك، يمكن لهذه البنوك اعتماد نفس فلسفة ‘قياس السرعة’ لتشجيع فرق التكنولوجيا لديها على الابتكار دون خوف من المراقبة المستمرة. هذا التحول يتطلب استثماراً في البنية التحتية والتدريب، لكن العائد قد يكون هائلاً من حيث سرعة إطلاق المنتجات الجديدة.
المخاطر الخفية: عندما تصبح السرعة عدواً للجودة
لكن هذا النهج لا يخلو من المخاطر. في بيئة مالية حيث الخطأ الواحد قد يكلف ملايين الدولارات، قد يؤدي التركيز المفرط على السرعة إلى تسريع دورات الاختبار والتحقق. ما يحدث في غولدمان ساكس هو توازن دقيق: البنك لا يتجاهل الجودة، بل يبني أنظمة تحقق آلية تعمل بالتوازي مع عملية التطوير. الفرق بين النجاح والفشل هنا يكمن في وجود ‘حراس بوابة’ خوارزميين يضمنون أن كل فكرة يتم تنفيذها تلبي معايير الامتثال والمخاطر قبل الانتشار.
دور القيادة في خلق ثقافة الابتكار المسؤول
تصريح أرجنتي يسلط الضوء على جانب غالباً ما يتم تجاهله: دور القيادة في تشكيل ثقافة الابتكار. بدلاً من أن يكون مدير التكنولوجيا مجرد مشرف على الأنظمة، يصبح هنا ميسراً للإبداع. هذا يتطلب مهارات قيادية مختلفة: الثقة في الموظفين، القدرة على تحمل المخاطر المحسوبة، والرؤية طويلة المدى التي تتجاوز المقاييس الربعية. في العالم العربي، حيث البيروقراطية والهياكل الهرمية لا تزال سائدة، قد يكون هذا التحول الثقافي هو التحدي الأكبر وليس التقني.
الخلاصة: رأي تحريري جريء
ما يفعله غولدمان ساكس ليس مجرد نهج تقني، بل هو بيان فلسفي حول طبيعة العمل في عصر الذكاء الاصطناعي. بينما تركز معظم الشركات على ‘كم’ الاستخدام، يركز هو على ‘كيف’ و’متى’ يتحول الاستخدام إلى قيمة. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل نحن مستعدون في العالم العربي للتخلي عن هوس المقاييس الكمية والانتقال إلى ثقافة تقيس الابتكار الحقيقي؟ أم أننا سنظل نشتري أحدث الأدوات ونفشل في تغيير الطريقة التي نعمل بها؟ الإجابة قد تحدد من سيقود الموجة القادمة من التحول الرقمي في المنطقة.

