×

صاروخ كهربائي يحرق الليثيوم: ناسا تختبر محركاً يغير وجه السفر للمريخ

صاروخ كهربائي يحرق الليثيوم: ناسا تختبر محركاً يغير وجه السفر للمريخ

تخيل أنك تستطيع السفر من الأرض إلى المريخ في 45 يوماً فقط، بدلاً من 8 شهور مرهقة تستهلك الوقود والطعام والهواء. هذا ليس خيالاً علمياً، بل هو ما اختبرته ناسا في مختبر الدفع النفاث (JPL) في كاليفورنيا، حيث أطلقت محركاً كهربائياً يعمل بالليثيوم بقدرة 120 كيلوواط — ضعف أقوى محرك كهربائي فضائي موجود حالياً. هذا المحرك ليس مجرد ترقية، إنه نقلة نوعية في فلسفة الدفع الفضائي، لأنه يستبدل الاحتراق الكيميائي بتأين الغاز وتسريعه بمجالات مغناطيسية، مما يمنح كفاءة وقود أعلى بعشر مرات.

لماذا الليثيوم تحديداً؟ لأنه أخف من الزينون المستخدم حالياً في المحركات الأيونية، ويوفر كثافة طاقة أعلى، ويمكن استخراجه من الكويكبات أو حتى من تربة المريخ نفسها في المستقبل. هذا يعني أن المركبة تستطيع ‘التزود بالوقود’ في الفضاء، بدلاً من حمل كل الوقود من الأرض. باختصار، هذا المحرك يفتح باباً جديداً للرحلات المأهولة إلى المريخ، ويجعل حلم استعمار الكوكب الأحمر أقرب من أي وقت مضى.

120 كيلوواط في غرفة بحجم غرفة معيشة

الاختبار تم في غرفة مفرغة من الهواء في مختبر الدفع النفاث، حيث تم تشغيل المحرك لمدة 100 ساعة متواصلة دون أي عطل. الرقم 120 كيلوواط ليس عشوائياً — إنه يعادل 160 حصاناً، وهو الحد الأدنى اللازم لدفع مركبة بشرية نحو المريخ بسرعة معقولة. المحركات الكهربائية الحالية، مثل تلك الموجودة في مركبة ‘داون’ التابعة لناسا، تعمل بقدرة لا تتجاوز 2.3 كيلوواط، أي أقل بـ 50 مرة.

لماذا لا نستخدم الصواريخ الكيميائية فقط؟

الصواريخ الكيميائية مثل ‘سبيس إكس ستارشيب’ تولد قوة دفع هائلة، لكنها تستهلك وقوداً بكميات خيالية. رحلة واحدة إلى المريخ تحتاج إلى مئات الأطنان من الأكسجين والميثان. المحرك الكهربائي، بالمقابل، يستخدم كمية ضئيلة من الوقود (الليثيوم أو الزينون) لكنه يسرعها ببطء على مدى أيام أو أسابيع، ليصل في النهاية إلى سرعات أعلى من الصواريخ الكيميائية. هذا يشبه فرق السرعة بين سيارة سباق (تسرع بسرعة لكنها تفرغ الوقود بسرعة) وسيارة كهربائية (تسرع ببطء لكنها تواصل السير لمسافات أطول).

من الأيونات إلى البلازما: كيف يعمل هذا المحرك؟

المحرك الجديد ليس أيونياً تقليدياً، بل هو ‘محرك بلازما مغناطيسي’ (MagnetoPlasmaDynamic Thruster). الفكرة بسيطة: يتم تسخين غاز الليثيوم إلى درجة حرارة تفوق آلاف الدرجات المئوية حتى يتحول إلى بلازما، ثم يتم تسريعها بواسطة مجال مغناطيسي قوي جداً ليندفع بسرعة تصل إلى 50 كيلومتراً في الثانية. هذه السرعة تزيد 10 مرات عن سرعة عادم الصواريخ الكيميائية.

هذا النوع من المحركات كان موجوداً نظرياً منذ الستينيات، لكن المشكلة كانت في الحرارة الهائلة التي تذيب أي معدن. الحل الذي توصلت إليه ناسا هو استخدام ‘تبريد ذاتي’ عبر دفع البلازما بعيداً عن الجدران، بالإضافة إلى مواد خزفية جديدة تتحمل درجات حرارة تصل إلى 3000 درجة مئوية. النتيجة: محرك لا يذوب ولا ينفجر، ويمكن تشغيله لأسابيع متواصلة.

ماذا يعني هذا للسوق العربي والخليجي؟

هذا الاختراق ليس مجرد خبر علمي بعيد عن منطقتنا. دول الخليج، وخاصة الإمارات والسعودية، تستثمر مليارات الدولارات في قطاع الفضاء. الإمارات أرسلت مسبار ‘الأمل’ إلى المريخ، وتخطط لبناء مستوطنة بشرية على الكوكب الأحمر بحلول 2117. المحرك الجديد يقلص زمن الرحلة، مما يقلص التكاليف والمخاطر الصحية الناتجة عن الإشعاع الفضائي، وهذا يجعل مشاريع المريخ العربية أكثر جدوى اقتصادياً.

علاوة على ذلك، الليثيوم هو معدن استراتيجي، ودول الخليج بدأت تستكشف احتياطياتها منه (السعودية لديها احتياطيات ضخمة في منطقة حائل). إذا أثبتت ناسا جدوى محرك الليثيوم، فقد يصبح الليثيوم العربي وقود المستقبل للفضاء، مما يخلق صناعة جديدة كاملة في المنطقة: تكرير الليثيوم للاستخدام الفضائي. هذا يمكن أن يحول دول الخليج من مستهلكة للطاقة إلى منتجة لوقود الفضاء.

المخاطر والتحديات: ليس كل ما يلمع بلازما

لكن الطريق إلى المريخ ليس مفروشاً بالورد. المحرك لا يزال نموذجاً أولياً، ويحتاج إلى سنوات من الاختبارات في الفضاء الحقيقي. المشكلة الأكبر هي ‘الطاقة’: تشغيل محرك بقدرة 120 كيلوواط يحتاج إلى مصدر طاقة ضخم، إما مفاعل نووي صغير أو ألواح شمسية عملاقة. ناسا تختبر حالياً مفاعلاً نووياً بحجم صندوق سيارة يسمى ‘كيليوباترا’، لكنه لا يزال في مراحل التصميم.

هناك أيضاً مشكلة ‘التآكل’: البلازما عالية السرعة تأكل الفوهة المعدنية تدريجياً، مما يحد من عمر المحرك. ناسا تقول إنها وصلت إلى 100 ساعة تشغيل، لكن رحلة المريخ تحتاج إلى آلاف الساعات. الحل قد يكون في استخدام فوهات مصنوعة من التنجستن أو الكربون، لكن هذه المواد باهظة الثمن ويصعب تشكيلها.

الخلاصة: رأي التحرير وسؤال للنقاش

هذا المحرك ليس مجرد خطوة تقنية، إنه إعلان أن ناسا لم تعد تنتظر ‘سبيس إكس’ لتنقل البشر إلى المريخ. ناسا تريد بناء طريقها الخاص، بمحركات كهربائية لا تحتاج إلى أكسجين، يمكنها العمل في أي مكان في الفضاء. هذا يعني أن سباق المريخ أصبح ثلاثياً: ناسا، سبيس إكس، والصين. لكن السؤال الأهم للمنطقة العربية هو: هل سنكون مجرد ركاب على متن هذه المركبات، أم سنصنع وقودها ونبني قطع غيارها؟

السؤال الذي أطرحه عليكم: هل تعتقد أن المحركات الكهربائية ستحل محل الصواريخ الكيميائية بالكامل في رحلات الفضاء البعيدة خلال 10 سنوات؟ شاركونا رأيكم في التعليقات.

شاهد المزيد