×

درون بحجم الكف يرى بالصدى: خفاش يقلب موازين الطيران في الظلام

درون بحجم الكف يرى بالصدى: خفاش يقلب موازين الطيران في الظلام

تخيل دروناً لا يحتاج إلى عيون ليرى، ولا إلى ضوء ليبصر، ولا إلى ليزر ليتجنب الحوائط. درون بحجم كف اليد، وزنه لا يتجاوز بضع جرامات، يطير في ضباب كثيف لا ترى فيه يدك أمامك، ويتسلل عبر أنقاض مبنى منهار دون أن يصطدم بشيء. هذا ليس خيالاً علمياً، بل هو أول درون في العالم مستوحى من خفاش “البامبلبي” — ذلك المخلوق الذي يزن 2 جرام فقط ويستخدم الصوت لرسم خريطة للعالم من حوله. الابتكار الجديد، الذي طوره باحثون ونشرته Physics World، قد يغير قواعد اللعبة في مهام البحث والإنقاذ، واستكشاف الكهوف، وحتى التفتيش الصناعي.

لماذا الخفاش؟ سر الملاحة بالصدى بحجم صغير

الخفافيش ليست مجرد حيوانات طائرة، بل هي أنظمة رادار حية. تستخدم تحديد المواقع بالصدى (echolocation) لإرسال موجات صوتية عالية التردد، ثم تحليل أصداء العودة لتحديد حجم الأشياء وموقعها وشكلها. لكن ما يميز خفاش “البامبلبي” هو حجمه الصغير وقدرته على المناورة في مساحات ضيقة جداً، مثل تجاويف الأشجار أو شقوق الصخور.

المشكلة التي واجهت المهندسين لعقود: كيف نصنع دروناً صغيراً يحمل نظام سونار (sonar) فعالاً دون استهلاك طاقة هائلة؟ الحل جاء من تقليد الطبيعة نفسها — استخدام مكبرات صوت وميكروفونات صغيرة جداً تعمل بترددات فوق صوتية، مع خوارزميات ذكاء اصطناعي تحلل الأصداء في الوقت الفعلي. النتيجة: درون يزن 10 جرامات فقط، يعمل بطاقة بطارية صغيرة، ويطير لمدة 7 دقائق متواصلة في ظروف صعبة.

كيف يختلف هذا عن الليداز والكاميرات؟

الدرونات التقليدية تعتمد على الكاميرات (البصرية) أو الليداز (الليزر). لكن الكاميرات تفشل في الظلام الدامس والضباب والدخان. أما الليداز فهو ثقيل ومكلف ويستهلك طاقة عالية. النظام الجديد يستخدم الصوت — مثل السونار في الغواصات — لكن بحجم مصغر. الموجات الصوتية تخترق الضباب والدخان والغبار بسهولة، وتعمل في الظلام التام. العيب الوحيد: دقة أقل من الليداز في التفاصيل الدقيقة، لكنها كافية تماماً للملاحة وتجنب العوائق.

من المختبر إلى ساحة الإنقاذ: تطبيقات فورية

التطبيق الأبرز لهذا الابتكار هو مهام البحث والإنقاذ (SAR) في المباني المنهارة بعد الزلازل أو الانفجارات. عندما ينهار مبنى، يمتلئ بالغبار والظلام والمساحات الضيقة. لا كاميرا تعمل هناك، ولا ضوء يخترق الغبار. لكن درون الخفاش يستطيع الدخول من فتحة صغيرة، والطيران بين الأنقاض، وتحديد مكان ناجٍ تحت الأنقاض — كل ذلك دون أن يصطدم بأي شيء.

تطبيقات أخرى: استكشاف الكهوف والأنفاق الطبيعية، تفتيش خطوط الأنابيب والصرف الصحي، وحتى الزراعة العمودية في البيوت المحمية المغلقة. في كل هذه الحالات، تكون البيئة مظلمة أو مليئة بالبخار أو الغبار، مما يجعل الكاميرات عديمة الفائدة.

ماذا يعني هذا للسوق العربي والخليجي؟

المنطقة العربية والخليجية تمتلك بيئات صعبة: العواصف الرملية، الضباب الكثيف، الحرارة العالية، والغبار المنتشر. الدرونات التقليدية تعاني في هذه الظروف — كاميراتها تعمى، وأجهزتها الإلكترونية تتعطل. لكن درون الخفاش، بنظامه الصوتي، قد يكون الحل الأمثل.

تخيل استخدامه في مكافحة حرائق الآبار النفطية، حيث الدخان الأسود يغطي كل شيء. أو في عمليات التفتيش في مصانع البتروكيماويات المظلمة. أو حتى في مهام البحث عن المفقودين في الصحاري أثناء العواصف الرملية. الأسواق الخليجية تستثمر مليارات الدولارات في تقنيات الطيران بدون طيار (UAVs)، وهذا الابتكار يوفر ميزة تنافسية هائلة: القدرة على العمل حيث لا تعمل أي درون آخر.

الشركات الناشئة في دبي والرياض وأبوظبي قد تكون أول من يتبنى هذه التقنية، خاصة مع وجود مراكز بحثية مثل جامعة خليفة ومعهد الابتكار التكنولوجي (TII) في أبوظبي، اللذين يركزان على الروبوتات والذكاء الاصطناعي. التحدي الوحيد: التكلفة الأولية للبحث والتطوير، لكن العائد على الاستثمار في مجال السلامة والإنقاذ لا يقدر بثمن.

التحديات التقنية: الصوت ليس مثالياً

لا بد من نظرة نقدية. النظام الصوتي يعاني من مشكلة الارتداد المتعدد (multipath interference) في الأماكن المغلقة جداً — حيث ترتد الموجات الصوتية من كل اتجاه، مما يصعب على الخوارزميات تحديد المسافة بدقة. أيضاً، الضوضاء البيئية العالية (مثل آلات ثقيلة أو رياح قوية) قد تشوش الإشارات.

لكن الباحثين يعملون على حل هذه المشكلات باستخدام التعلم العميق (deep learning) لتصفية الضوضاء، وتحسين دقة التحديد. الجيل القادم من هذا الدرون قد يتضمن أيضاً أجهزة استشعار متعددة (كاميرا صغيرة + ميكروفونات) لدمج المعلومات البصرية والصوتية — مما يعطيه رؤية شاملة في أي ظرف.

الخلاصة: درون صغير، تأثير كبير

هذا الابتكار ليس مجرد درون جديد، بل هو نقلة نوعية في فلسفة الملاحة الجوية للروبوتات. بدلاً من محاولة جعل الأجهزة ترى مثل البشر (بالكاميرات)، نعلمها أن ترى مثل الخفافيش (بالصدى). النتيجة: قدرة على العمل في بيئات كانت مستحيلة سابقاً.

السؤال الذي أطرحه عليك: هل نحن مستعدون لاستقبال درونات لا تحتاج إلى ضوء لترى؟ في عالم مليء بالغبار والضباب والظلام، قد تكون هذه الدرونات هي الأمل الوحيد لإنقاذ الأرواح. هل ستراها قريباً تحلق في سماء مدينتك؟

شاهد المزيد